الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

359

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كان من عادتهم إذا تحالفوا أن يمسك المتحالفان أحدهما باليد اليمنى من الآخر قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] فكانوا يقولون أعطى يمينه ، إذا أكد العهد . وشاع ذلك في كلامهم قال كعب بن زهير : حتى وضعت يميني لا أنازعه * في كف ذي يسرات قيله القيل ثم اختصروا فقالوا صدرت منه يمين أو حلف يمينا ، فتسمية الحلف يمينا من تسمية الشيء باسم مقارنه الملازم له ، أو من تسمية الشيء باسم مكانه ؛ كما سمّوا الماء واديا وإنما المحل في هذه التسمية على هذا الوجه محل تخييلي . ولما كان غالب أيمانهم في العهود والحلف ، وهو الذي يضع فيه المتعاهدون أيديهم بعضها في بعض ، شاع إطلاق اليمين على كل حلف ، جريا على غالب الأحوال ؛ فأطلقت اليمين على قسم المرء في خاصة نفسه دون عهد ولا حلف . والقصد من الحلف يرجع إلى قصد أن يشهد الإنسان اللّه تعالى على صدقه في خبر أو وعد أو تعليق ، ولذلك يقوله : بالله أي أخبر متلبسا بإشهاد اللّه ، أو أعد أو أعلّق متلبسا بإشهاد اللّه على تحقيق ذلك ، فمن أجل ذلك تضمن اليمين معنى قويا في الصدق ، لأن من أشهد باللّه على باطل فقد اجترأ عليه واستخف به ، ومما يدل على أن أصل اليمين إشهاد اللّه ، قوله تعالى : وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ [ البقرة : 204 ] كما تقدم ، وقول العرب يعلم اللّه في مقام الحلف المغلظ ، ولأجله كانت الباء هي أصل حروف القسم لدلالتها على الملابسة في أصل معانيها ، وكانت الواو والتاء لاحقتين بها في القسم الإنشائي دون الاستعطافي . ومعنى الآية إن كانت العرضة بمعنى الحاجز نهي المسلمين عن أن يجعلوا اسم اللّه حائلا معنويا دون فعل ما حلفوا على تركه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس فاللّام للتعليل ، وهي متعلقة بتجعلوا ، و أَنْ تَبَرُّوا متعلق بعرضة على حذف اللام الجارة ، المطرد حذفها مع أن ، أي ولا تجعلوا اللّه لأجل أن حلفتم به عرضة حاجزا عن فعل البر والإصلاح والتقوى ، فالآية على هذا الوجه نهي عن المحافظة على اليمين إذا كانت المحافظة عليها تمنع من فعل خير شرعي ، وهو نهي تحريم أو تنزيه بحسب حكم الشيء المحلوف على تركه ، ومن لوازمه التحرز حين الحلف وعدم التسرع للأيمان ، إذ لا ينبغي التعرض لكثرة الترخص .